حسن الأمين
214
مستدركات أعيان الشيعة
محمد بن محمد بن طرخان الفارابي . مرت ترجمته في مكانها وننشر هنا عنه هذه الدراسة المكتوبة بقلم الدكتور عثمان أمين . الفيلسوف أبو نصر الفارابي هو محمد بن محمد بن طرخان ، سمي بالفارابي نسبة إلى الجهة التي ولد بها ، وهي ولاية « فاراب » من بلاد الترك في ما وراء النهر . فهو إذن تركي المولد ، وان يكن بعض أصحاب التراجم قد ذكر أن أباه كان قائدا ، وأنه فارسي الأصل . ومهما يكن الأمر فالفارابي ، بجملة ثقافته ، ومؤلفاته ، فيلسوف عربي ، بل لقد قال أحد المستشرقين أن الفارابي هو « مؤسس الفلسفة العربية » . ومن قبل رأى كثيرون من مؤلفي العرب انه أكبر فلاسفة المسلمين ، وقال فيه ابن سبعين ( 1 ) : « هذا الرجل أفهم فلاسفة الإسلام ، وأذكرهم للعلوم القديمة ، وهو فيلسوف فيها لا غير ، ومات وهو مدرك محقق . . » . وقال ابن خلكان : « ولم يكن فيهم ( أي فلاسفة الإسلام ) من بلغ رتبته في فنونه ، والرئيس ابن سينا بكتبه تخرج ، وبكلامه انتفع في تصانيفه » . وقال بعض المستشرقين : « وليس شيء مما يوجد في فلسفة ابن سينا وابن رشد الا وبذوره موجودة عند الفارابي » . وقد كان كتاب العرب يعدون الفارابي أكبر العلماء بعد أرسطو . ولما كانوا يطلقون على أرسطو « المعلم الأول » ، فقد أطلقوا على الفارابي « المعلم الثاني » . وفاته عند سيف الدولة وقد كان الفارابي مولعا بالأسفار منذ صغره تنقل في بلاد الإسلام حتى دخل العراق ، وأقام ببغداد فتلقى طرفا من علوم الفلسفة ، وكان من زملائه في التلمذة أبو بشر بن يونس النصراني ، المشهور بترجمته للكتب اليونانية . وبعد أن أقام الفارابي زمانا في بغداد ، ارتحل عنها إلى حلب ، واتصل بالأمير الحمداني سيف الدولة ، ونال الحظوة عنده وتزيا بزي أهل التصوف ، ثم صحب الأمير إلى دمشق في حملته عليها ووافته منيته بدمشق ، وقد ناهز الثمانين من عمره . بدأ حياته متفلسفا ، وختمها متصوفا وأظهر ما يستوقفنا في حياة الفارابي أنه كان رجلا يميل إلى التأمل والنظر ، ويؤثر العزلة والهدوء ، بدأ شبابه متفلسفا ، وقضى كهولته متفننا ، وختم حياته متصوفا . ذكروا أنه كان لا يوجد غالبا الا في مجتمع ماء أو مشتبك رياض ، ويؤلف كتبه هناك . والحق لقد كانت حياته الفكرية خصبة جدا : ألف كتبا كثيرة ضاع أكثرها . على أنه اشتهر بين العرب بشروحه على فلسفة أرسطو . ولكن همة الفارابي لم تقف عند الشروح . فقد ألف طائفة من الرسائل أوضح فيها فلسفته الخاصة ، « كفصوص الحكم » ، و « إحصاء العلوم » ، و « الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون وأرسطو » ، و « آراء أهل المدينة الفاضلة » و « تحصيل السعادة » وغيرها . علمه بالموسيقى وقد كانت للفارابي معرفة بالطب ، وكانت له مواهب بارزة في الموسيقى علما وفنا : وقد كتب أشهر رسالة في نظرية الموسيقى الشرقية ، ويذكرون من براعته في هذا الفن انه صنع آلة موسيقية شبيهة بالقانون ، عزف عليها مرة فاضحك الحاضرين ، وعزف مرة ثانية ، فابكاهم ، وعزف مرة ثالثة فانامهم ، ثم انصرف . . . . ولقد أعجب سيف الدولة بمواهب الفارابي ، وما زال الدراويش « المولوية » يحتفظون في أغانيهم . ببعض الأنغام المنسوبة إلى ذلك الفيلسوف الفنان . فلسفته : التوفيق بين أفلاطون وأرسطو كان الفارابي يرى الفلسفة اليونانية رأيا يبدو لنا اليوم عجيبا ، كان يراها فلسفة واحدة في صميمها ، لا اختلاف بين مذاهبها وقضاياها . ولما كان أفلاطون وأرسطو في نظره الإمامين الممثلين للفلسفة اليونانية ، فمذهباهما عنده مذهب واحد على الحقيقة . وان كانت هنالك مسائل كثيرة يظهر الخلاف فيها بين الفيلسوفين اليونانيين ، فالفارابي لا يعده خلافا جوهريا ما دام الاتفاق واقعا على الأصول والمقاصد . وإنما يسلم الفارابي باختلاف أفلاطون وأرسطو في أمرين : في منهجهما التعليمي ، وفي سلوكهما العملي . أما من حيث المنهج ، فالفارابي يلاحظ أن أفلاطون لم يدون كتبه إلا أخيرا ، وأنه عمد إلى الرموز والإشارات صونا للحكمة ، وضنا بها على من لم يكن من أهلها ، في حين أن أرسطو جرى على منهج التقرير والتدوين والإيضاح والتبيين . وأما من حيث السلوك العملي ، فافلاطون في نظره رجل تزهد وتخل عن الدنيا وشواغلها ، في حين أن أرسطو رجل أقبل على الدنيا والتمس أسبابها وخيراتها . وقد يعجب القارئ العصري للفارابي كيف تورط في نظريته تلك فخلط بين مذهبين متعارضين متميزين ، كالمذهب الأفلاطوني والمذهب الأرسطي ، وأحدهما مذهب « مثالي » ممعن في المثالية ، والثاني مذهب « واقعي » يريد أن يخفف من غلواء المثالية الأفلاطونية ! فمن المعلوم أن أفلاطون قد رأى أنه لا وجود للأفراد والأشخاص والمحسوسات ، لأنها متغيرة ، وإنما الموجود حقيقة هو « المثال » أي المعنى الكلي العام ، المجرد من المشخصات الحسية . فالمعنى الكلي للإنسان ، أو « مثال » الإنسان هو « الماهية » الثابتة للناس على اختلافهم . وبهذه المثالية أقام أفلاطون المذهب المثالي المشهور . أما أرسطو فرأى خلافا لأستاذه أن الموجود ليس هو المعنى الكلي المجرد الذي يشترك فيه أفراد كثيرة ، وإنما الموجود عنده هو الأفراد المحسوسة نفسها : فمثلا سقراط هو سقراط ، لا بما يشترك فيه مع جميع الناس ، بل بما يخصه ويميزه ممن عداه من الناس . ولذلك كان أرسطو في فلسفته أقرب إلى « الواقع » المحسوس وألصق بعالم الشهادة ، في حين أن أفلاطون كان كثير التحليق في « عالم المثل » . وهذا ما فات الفارابي أن يراه من تعارض بين مذهبي الفيلسوفين اليونانيين : ولكن يبطل العجب إذا علم السبب . والسبب بسيط ، وهو أن الفارابي - في محاولته التوفيق بين رأيي الفيلسوفين - أخذ يستشهد بكتاب مشهور آنذاك على أنه لأرسطو ، وهو الكتاب المعروف باسم « أثولوجيا أرسطوطاليس » ، وظن أن هذا الكتاب لأرسطو حقيقة ، ولم يخطر بباله - كما لم يخطر ببال أحد من مفكري ذلك العصر - ان نسبة الكتاب لأرسطو خطا ، وإنما هو شذرات من كتاب « التاسوعات » للفيلسوف الإسكندراني « أفلوطين » شيخ المذهب المسمى بالافلاطونية الجديدة .
--> ( 1 ) هو ابن سبعين الإشبيلي ، فيلسوف عربي وصاحب طريقة صوفية واشتهر باجوبته التي رد على الأسئلة التي وجهها فريدريك الثاني إلى علماء سبتة .